حيدر أحمد الشهابي
235
لبنان في عهد الأمراء الشهابين
وعندما كانت تلك العماره رابطه في البوغاز وغافلة عن الايقاظ فدهمتهم مراكب الانكليز على بغته وبدوا يطلقون عليهم القنابر والمدافع . واشتد بينهم الحرب يوما وليله . فاحترق من تلك العماره العظيمة اربع مراكب كبار . ومنهم تلك السفينة العظيمة والقلعة الجسيمة المسما بنصف الدنيا . واستمرت تتقد في البحر اربع أياما . ومات من بها من العساكر وسارى عسكرها الذي بسو تدبيره قد هلك وأهلك معه نفوس كثيره . واحتوت الانكليز على أكثر تلك المراكب . واستاسرت من بها من العساكر . وأكثرهم هلكوا من ضرب المدافع والقنابر . ولما حضر ذلك الخبر المريع والخطب الشنيع إلى أمير الجيوش فصار كالمدهوش وصفق بكفه . ودب برجلتيه . واحمرّت مقلتيه . وتسخط على ذلك الجننار لعدم اطاعته والامتتال . وقال جزاه ما حل به من الوبال . وصاحت الفرنساويه يا لها من بليه لقد خابت الآمال وهلكت الرجال وذهبت الحال والمال . لقد امتنع منا الامداد . وحرمت علينا البلاد . وشمتت بنا الاعدا والحساد . وطمعت بنا الاسلام . وزاد علينا الخصام . وكان ذلك بدؤ الانكيس وأول التعكيس . وقد أيقنت الفرنساويه بالتهلك بعد التملك لحجز الامداد عنهم ونفور الاسلام منهم . لان الفرنساويه قد استعملت احتيالة كثيره وسلكوا مسالك غزيره لأجل الضرورة كاشتهارهم بالاسلاميه . ونكرانهم للنصرانية . واظهارهم للحريه . واقرارهم بالاتحاد مع الدولة العثمانية . وانهم باذنها دخلوا الديار المصرية . وانهم مع الاسلام على اخلص طويه . واصلح نية . ويرغبون راحتهم ويحبون ديانتهم . وكان الفرنساويه اناستهم غريبه . وطول اناتهم عجيبة . وكانوا أحسن سلوكا من ساير الجنوس واشهروا بالأمن و [ طيبة ] النفوس . ونشروا العدل [ 618 ] وحسن الاحكام وقد احتوى الشرايع الحقيقية على التمام . وكل ذلك وقلوب الاسلام غير آمنه . والأحقاد في ضمايرهم كامنه . ويشتهون لهم المهالك والوقوع في أضيق المسالك . فهذا ما الجا أمير الجيوش إلى المخافة . فبدا الاحتيال بحسن الرقة واللطافة لجدب القلوب وتحصيل المطلوب وكان هذا الأمير المشتهر أسد من الأسود . ونادرا في الوجود . رهط من الارهاط العظام حكيما عليما بمكايد الأيام ذكر ما صنعه أمير الجيوش في جريان النيل انه من بعد دخول الفرنساويه إلى القاهرة بمدة قليله جير النيل السعيد . فاحضر أمير الجيوش علما الديوان وسألهم عن العوايد في جريان النيل والقوانين وحررها عنده .